فصل: تفسير الآيات (42- 48):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (26- 27):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)}
قلت: قال في الصحاح: الحَمأُ الْمسنُون: المنتنُ المتغير. وسُنَّةُ الوجه: صورته، ثم قال: والمسْنُونُ: المصَوَّرُ، وقد سَنَنتُهُ أَسُنُّه سَنَّا إذا صَوَّرتُه، والمسْنُونُ: المُملَّسُ. وفي القاموس: الحَمأُ المسْنُونُ: المنْتنُ، ورجُل مَسْنُونُ الوجه: مُمَلسُهُ، حَسنُهُ، سَهْلُهُ. أو في وَجْهِهِ وأنْفِهِ طُولٌ. وسنن الطين: عمله فخاراً. اهـ. وفي ابن عطية: هو من سننت السكين والحجر: إذا أحكمت تلميسه. انطر بقية كلامه. وموضع {من حمأ}: نعت لصلصال، أي: كائن من حمأ. و{الجان}: منصوب بمحذوف يفسره ما بعده.
يقول الحق جل جلاله: {ولقد خلقنا الإنسان}؛ أي: أصله، وهو آدم، {من صَلصَالٍ} أي: طين يابس يصلصل. أي: يصوت إذا نقر فيه وهو غير مطبوخ، فإذا طُبخ فهو فخار، {من حمأٍ}: من طين أسود {مسنونٍ}: متغير منتن، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به؛ فإنَّ ما يسيل بينهما يكون منتناً، ويسمى سنيناً. أو مسنون: مصور، أو مصبوب ليتصور، كالجواهر المذابة تصب في القوالب، من السن، وهو الصب، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غير ذلك طوراً بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه.
{والجانَّ} وهو: إبليس الأول، ومنه تناسلت الجن {خلقناه من قبلُ} أي: من قبل خلق الأنسان، {من نار السَّمُوم}: من نار الحر الشديد النافذ في المسام، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لم يمتنع خلقها في الجواهر المجردة؛ فضلاً عن الأجساد المؤلفة، التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل منها لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي. وقوله: {من نار}: لاعتبار الغالب، كقوله: {خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} [فاطر: 11]. ومساق الآية كما هو للدلالة على قدرة الله تعالى، وبيان بدء خلق الثقلين، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قبول المواد للجمع والإحياء. قاله البيضاوي.
الإشارة: اعلم أن الخمرة الأزلية، حين تجلت في مرائي جمالها، تلونت في تجليها، فتجلت نورانية ونارية، ومائية وترابية، وسماوية، وهوائية، إلى غير ذلك من ألوان تجلياتها، فكانت الملائكة من النور، والجن من النار، والآدمي من التراب، إلا أن الادمي فيه روح نورانية سماوية، فاجتمع فيه الضدان: النور الظلمة؛ فشرف قدره في الجملة، فاستحق الخلافة، فإذا غلبت روحانيته على جسمانيته فضل على جميع التجليات، وما مثاله إلا كالمرآةِ التي خلفها الطلاءُ، فينطبع فيه الوجود بأسره، إذا صقلت مرآة قلبه، فتكون معرفته بالحق أجلى وأنصع من معرفة غيره؛ لأن المرآة التي خلفها الطلاء يتجلى فيها ما يقابلها أكثر من غيرها. وأيضاً بشرية الآدمي كالياقوتة السوداء إذا صقلت كانت أعظم اليواقيت. وسيأتي بقية الكلام عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] إن شاء الله.

.تفسير الآيات (28- 41):

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)}
قلت: {وإذْ قال}: ظرف لاذكر، وقوله: {فَقَعُوا}: امرٌ، من وقَع، يقع، قَعْ، فهو مما حُذفت فاؤه. وقوله: {فسجد} معطوف على محذوف، أي: فخلقه، وأمر الملائكة فسجدوا.
يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر يا محمد {إذْ قال ربك للملائكة}، قبل خلق آدم: {إني خالق بشراً من صَلْصَالٍ من حمأٍ مسنونٍ}، وصفه لهم بذلك ليظهر صدق من يمتثل أمره، قال تعالى: {فإذا سويتُه}: عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها، {ونفختُ في من روحي}؛ حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ: إجراء الروح في تجويف جسد آخر. ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخاً. قاله البيضاوي. وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك، اي: من الروح الذي هو لي، وخلق من خلقي.
فإذا نفخت فيه {فَقَعوا}: فأسقطوا {له ساجدين فسجد الملائكةُ} حين أكمل خلقته، وأمرهم بالسجود، وقيل: اكتفى بالأمر الأول، {كلُّهم أجمعون}، أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، {إلا إبليس أبى}: امتنع {أن يكون مع الساجدين}، قال البيضاوي: إن جُعِل الاستثناء منقطعاً اتصل به قوله: {أبَى}؛ أي: لكن إبليس أبَى أن يسجد، وإن جُعِل متصلاً كان قوله: {أبَى}: استئنافاً، على أنه جواب سائل قال: هلا سجد؟ فقال: أبى.. الخ. قلت: والأحسن: أن يقدر السؤال بعد قوله: {إلا إبليس أبى} أي: وما شأنه؟ فقال: أبى أن يكون مع الساجدين.
قال تعالى: {يا إبليس ما لكَ}؛ أي شيء عرض لك، {ألا تكونَ مع الساجدين} لآدم؟ {قال لم أكن لأسجُدَ} أي: لا يصح مني، بل ينافي حالي أن أسجد {لبشرٍ} جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، وقد {خلقتَه من صلصالٍ من حمإ مسنونٍ}، وهو أخس العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم من جهة الأصل، وغفل عن الكمالات التي خصه الله بها، منها: أنه خلقه بيديه بلا واسطة، أي: بيد القدرة والحكمة، بخلاف غيره، ومنها: أنه خصه بالعلوم التي لم توجد عند غيره من الملائكة، ومنها: أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه، ومنها: أنه جعله خليفة في أرضه... إلى غيره ذلك من الخواص التي تشرف بها فاستحق السجود.
قال له تعالى لَمَّا امتنع واستكبر: {فاخرجْ منها} أي: من السماء، أو من الجنة، أو من زمرة الملائكة، {فإنك رجيمٌ}: مطرود من الخير والكرامة؛ فإنَّ من يُطرد يُرجم بالحجر، أو شيطان يُرجم بالشهب، فهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، أي: ليس الشرف بالأصل، إنما الشرف بالطاعة والقرب. {وإن عليك اللعنةَ}: الطرد والإبعاد {إلى يوم الدين}؛ يوم الجزاء، ثم يتصل باللعن الدائم.
وقيل: إنما حد اللعن لأنه أبعد غاية يضربها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن، فيصير كأنه زال عنه ذلك اللعن.
{قال ربِّ فأنْظِرني}: أخرني {إلى يوم يُبعثون}، أراد أن يجد فسحة في الإغواء، ونجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}: المعين فيه أجلك عند الله، وانقراض الناس كلهم، وهو النفخة الأولى عند الجمهور.
وهذه المخاطبة، وإن لم تكن بواسطة، لا تدل على منصب إبليس؛ لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. قاله البيضاوي. وجزم ابن العربي، في سراج المريدين، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة، قال: لأن الله لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس، فكيف يكلم من تولى إضلالهم. اهـ. وتردد المازُريُّ في ذلك وقال: لا قاطع في ذلك، وإنما فيه ظواهر، والظاهر لا تفيد اليقين. ثم قال: وأما قوله: {ما منعك أن تسجد}: فيحتمل أن يكون بواسطة أو بغيرها، تقول العرب: كلمت فلاناً مشافهة، بالكلام، وتارة بالبعث. اهـ. قلت: الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب، كلامَ عتابٍ وإهانة، كما يوبخ الكفار يوم القيامة، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين، وإن وُجِدَتْ صُورَةً.
ثم قال: {ربِّ بما أغويتني} أي: بسبب إغوائك لي، {لأُزَيِّنَنَّ لهم في الأرض}، وقيل: الباء للقسم، أي: بقدرتك على إغوائي، لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا، التي هي دار الغرور. قال ابن عطية: قوله: {رَبِّ}: مع كفره، يُخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهذا لا يدفع في صدر كفره. وقال، على قوله: {لم أكن لأسجد}: ليس هذا موضع كفره عند الحذاق؛ لأن إبايته إنما هي معصية فقط، أي: وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره. وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن آدم مفضول، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه، فرأى أن ذلك جور، فقاس وأخطأ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله تعالى المالك للجميع. اهـ. مختصراً. وقال المازري: أما كفر إبليس فمقطوع به؛ لقوله: {واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين} [البقرة: 34] ثم قال: ويؤكده قوله: {ربِّ بما أغويتني}، وقوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ...} الآية [ص: 85]، وغير ذلك من ظواهر ما يدل على كفره.
وأما: هَلْ حدث هذا الكفر بعد إيمان سابق، أو لم يزل كافراً منذ كان؟ فهذا لا يحصله إلا نص قرآن، أو خبر متواتر، أو إجماع أمة، وهي المحصلة للعلم، وهذه الثلاثة مفقودة هنا. اهـ. قلت: والظاهر أن كفره لم يظهر إلا بعد الأمر بالسجود لآدم، وإنما سبق به العلم القديم، وكان قد أظهر الإيمان والعبادة والله تعالى أعلم.
وقوله: {ولأغوينّهم أجمعين}؛ أي: لأحملنهم على الغواية أجمعين، {إلا عبادكَ منهم المخلَصين}؛ الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من الشهوات، فلا يعمل فيهم كيدي.
ومن قرأ بالكسر فمعناه: الذين أخلصوا دينهم لله، وتحصنوا بالإخلاص في سائر أعمالهم. {قال} تعالى: {هذا صراطٌ عليَّ مستقيمٌ}؛ الإشارة إلى نجاة المخلصين، أو إلى العبادة والإخلاص، أي: هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد عليَّ، وموصل إلى جواري، لا سبيل لك على أهله؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه. وقيل: الإشارة إلى انقسام الناس إلى غاوٍ ومخلص، أي: هذا أمر إليَّ مصيره، والنظر فيه لي، عليَّ أن أراعيه وأبينه، مستقيم لا انحراف فيه. وقرأ الضحاك ومجاهد والنخعي، وغيرهم: عَلِيٌّ؛ بكسر اللام والتنوين، من العلو والشرف، والإشارة حينئذٍ إلى الإخلاص، أي: هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهلَه يا إبليس.
الإشارة: إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي: لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء؛ لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة- عليهم السلام- نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم عليه السلام عليه قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم معناه، فامتنع عن السجود، وفي الحِكَم العطائية: فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بحب الآثار. ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح؛ لغلبة الفرق على الناس، إلا من سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق؛ محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله: {هذا صراط عَلَيَّ مستقيم}. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (42- 48):

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)}
قلت: {إلا من اتبعك}: يحتمل ان يكون منقطعاً، ويريد بالعباد: الخصوص من أهل الإيمان والإخلاص، أي إن عبادي المخلَصين لا تسلط لك عليهم، لكن من اتبعك من الغاوين فهو من حزبك. ويحتمل الاتصال، ويريد بالعباد جيمع الناس، أي: إن عبادي كلهم ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من أهل الغواية. فإنك تتسلط عليه بالوسوسة والتزيين والتحريض فقط، فيتبعك؛ لقوله يوم القيامة {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22]. وعلى الاتصال يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى، وإلا تناقض مع قوله: {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}. قال أبو المعالي: كون المستثنى أكثر من المستثنى منه ليس معروفاً في كلام العرب. انظر ابن عطية والبيضاوي.
و{منهم}: حال من جزء مقدم، أي: لكل باب جزء حاصلٌ منهم مقسوم، أو من المستكن في الظرف لا من مقسوم، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها. و{إخواناً}: حال من الضمير المضاف إليه؛ لأنه جزء ما أضيف إليه، والعامل فيه: الاستقرار، أو معنى الإضافة، وكذا: {على سُرُر متقابلين}، ويجوز أن يكون صفتين لإخوان، أو حالين من ضميره.
يقول الحق جل جلاله: {إنَّ عبادي} المتحققين بالعبودية لي، المخلصين في أعمالهم، {ليس لك} يا إبليس {عليهم سلطانٌ} أي: غلبة وتسلط بالغواية والإضلال، {إلا من اتبعك من الغاوين} الذين سبقت لهم الغواية، وتنكبتهم العناية. {وإنَّ جهنم لموعدهم}: لموضع إبعاد الغاوين أو المتبعين لك {أجمعين}، {لها سبعة أبواب} يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، وفي كل طبقة باب يسلك منه إليها، فأعلاها: جهنم، وهي للمذنبين من الموحدين، ثم لظى لليهود، ثم الحُطمة للنصارى، ثم السعير للصابئين، ثم سقر للمجوس، ثم الجحيم للمشركين، وكبيرهم أبو جهل، ثم الهاوية، وهي الدرك الأسفل، للمنافقين، وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة، بجهنم؛ إذ هي أشهر منازلها وأولها، وهو موضع العصاة الذين لا يخلدون، ولهذا رُوي أن جهنم تخرب وتبلى، يعني: حين يخرج العصاة منها. وقيل: أبواب الطبقات السبع كلها من جهنم، ثم ينزل من كل باب إلى طبقته التي تفضى إليه. قاله ابن عطية.
قال البيضاوي: ولعل تخصيص العدد بالسبعة، لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات، ومتابعة القوة الشهوية والغضبية. اهـ. فالقوة الشهوية محلها ست وهي: السمع والبصر والشم واللسان والبطن والفرج. والقوة الغضبية في البطش باليد والرجل، فالمعاصي المهلكات جلها من هذه السبع، ومَلِكها القلب، إذا صلح صلحت، وإذا فسد فسدت. كما تقدمت للطبقات، قال تعالى: {لكل بابٍ منهم} أي: من الأتباع {جُزْءٌ مَقْسومٌ} أفراد له، لا يدخل إلا منه، ولا يسكن إلا في طبقته.
وقد تقدم أهل كل طبقة، من عصاة الموحدين إلى المنافقين.
ثم شفع بضدهم، على عادته سبحانه وتعالى في كتابه، فقال: {إنَّ المتقين} للكفر والفواحش، أو لمتابعة إبليس، {في جنات وعيون}، لكل واحد جنة وعين، أو لكل واحد جنات وعيون، يقال لهم عند دخولهم: {ادخلُوها}، وقرأ رويس عن يعقوب: {أدخلُوها}؛ بضم الهمزة وكسر الخاء، على البناء للمفعول، فلا يكسر حينئذٍ التنوين، أي: تقول الملائكة لهم: ادخلوها، أو قد أدخلهم الله إياها. {بسلام} أي: سالمين من المكاره والآلام، أو مسلماً عليكم بالتحية والإكرام، {آمنين} من الآفة والزوال.
{وَنَزَعْنا ما في صُدُورهم من غلٍّ} أي: من حقد وعداوة كانت في الدنيا، وعن علي رضي الله عنه: (أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم)، أو من التحاسد على درجات ومراتبِ القُرْبِ.
قلت: أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون؛ لاستغناء كل أحد بما لديه، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل، ففي الحديث: «ليس يَتَحَسَّرُ أهْلُ الجَنَّةِ على شيء إلاَّ على سَاعَةٍ مَرَّتْ لهم لَمْ يَذْكُرُوا الله فيهَا» ولا يحصل التحسر حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه. قال ابن عطية: ذكر هنا نزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر له موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء في بعضها: أن ذلك على أبواب الجنة، وفي بعضها: ان الغل يبقى على أبوابها كمعاطن الإبل. ثم قال: وجاء في بعض الأحاديث: أن نزع الغل إنما يكون بعد استقراهم في الجنة. والذي يقال في هذا: أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين. اهـ.
قلت: والذي جاء في الأحاديث الواردة في أخبار الآخرة: ان أهل الجنة، إذا قربوا منها وجدوا على بابها عينين، فيغتسلون في إحداهما، فتنقلب إجسادهم على صورة آدم عليه السلام، ثم يشربون من الأخرى فتطهر قلوبهم من الغل والحسد، وسائر الأمراض، وهو الشراب الطهور. قاله القشيري في قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21]: يقال: يُطَهَّرُهم من محبة الأغيار، ويقالُ: ويُطَهَّرُهم من الغلِّ والغِشِّ والدَّعوى... إلخ ما ياتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وسترى وتعلم.
ثم قال تعالى: {إخواناً}، أي: لما نزعنا ما في صدورهم من الغل صاروا إخواناً متوددين، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، {على سُرُرٍ متقابلين}؛ يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة، لا ينظر أحد في فناء صاحبه. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: المتجه أن المقابلة معنوية، وهي عدم إضمار الغل والإعراض، سواء اتفق ذلك حسّاً أم لا، ومن أضمر لأخيه غلاً فليس بمقابله، ولو كان وجهه إلى وجهه، بل ذلك أخلاقُ نفاقٍ، ولذلك شواهد بذمه لا بمدحه. اهـ. {لا يَمسُّهم فيها نَصَبٌ} أي: تعب، {وما هم منها بمخْرَجين}، لأن تمام النعمة لا يكون إلا بالخلود والدوام فيها.
أكرمنا الله بتمام نعمته، ودوام النظر إلى وجهه آمين.
الإشارة: لا ينقطع عن العبد تسلط الشيطان حتى يدخل مقام الشهود والعيان، حين يكون عبداً خالصاً لله، حراً مما سواه، وذلك حين ينخرط في سلك القوم، ويزول عنه لوث الحدوث والعدم، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وذلك بتحقيق مقام الفناء، ثم الرجوع إلى مقام البقاء. قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء؛ وذلك أن العبد حين يتصل بنور الله، ويصير نوراً من أنواره، يحترق به الباطل ويدمغ، فلا سبيل للأغيار عليه. ولذلك قال بعضهم: نحن قوم لا نعرف الشيطان، فقال له القائل: فكيف، وهو مذكور في كتاب الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً} [فاطر: 6]؟. فقال: نحن قوم اشتغلنا بمحبة الحبيب، فكفانا عداوة العدو. وحين يتحقق العبد بهذا المقام ينخرط في سلك قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل..} الآية، وهذا لا ينال إلا بالخضوع لأهل النور، حتى يوصلوه إلى نور النور، فيصير قطعة من نور غريقاً في بحر النور.